الشيخ محمد رشيد رضا
106
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ) والجمع فيها بين اسم اللّه واسم رسوله في موضعين أحدهما الرضاء بما آتيا وأعطيا بالفعل ، والثاني الرجاء فيما يؤتيان من بعد ، فأما العطاء من اللّه تعالى فهو انه هو الذي أنعم وينعم بالغنائم في الحرب وهو الذي شرع قسمتها بين الغانمين ، وجعل خمسها فيما تقدم في أول الجزء العاشر في مصالح المسلمين ، ومنها مواساة الفقراء والمساكين ، وهو المنعم بسائر الأموال ، والذي فرض فيها ما تقدم تفصيله من الصدقات ، وأما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهو القاسم للغنائم والصدقات باعطائها لمستحقيها بالحق والعدل ، ولذلك خص اللّه تعالى في الآية بالفضل ، وفيها من أصول التوحيد ، والتمييز بين ماللّه وحده وماله وللرسول أمران ( أحدهما ) أن المحسب الكافي للعباد هو اللّه وحده ، ولهذا أرشدهم أن يقولوا « حَسْبُنَا اللَّهُ » ولم يقل ورسوله كما قال في الايتاء ( وثانيهما ) ان توجه المؤمن فيما يرغبه وبرجوه من الرزق وغيره يجب أن ينتهى إلى اللّه تعالى وحده وهو نص قوله ( إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ) ومنه ( وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) أي دون غيره ( راجع ص 488 ج 10 ) ( 8 ) قوله تعالى ( 62 يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ) فمقتضى الايمان الذي لا يصح بدونه تحري المؤمن إرضاء اللّه ورسوله في المرتبة الأولى ، وإرضاء المؤمنين بما يتعلق بمعاملتهم في المرتبة الثانية التابعة للأولى ، ذلك بأن كل ما يرضي اللّه عز وجل يرضي رسوله ، وكل ما يرضي رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يرضيه ، فهما متلازمان ، وأما المؤمنون فقد يرضي بعضهم مالا يرضي اللّه ورسوله لجهله بما يرضيهما أو غفلته عنه أو اتباعه لهواه فيه . ومنه في موضوع الآية ان بعض المؤمنين من الصحابة الكرام ربما كانوا يصدقون أولئك المنافقين الذين يحلفون لهم بأنهم صادقون في اعتذارهم عما اتهموا به في غزوة تبوك ، لأنهم لا يعلمون ما يعلمه اللّه تعالى من باطن أمرهم وما أعلم به رسوله منه ، ولذلك قال في آية أخرى يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) ( 9 ) قوله تعالى ( 63 أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ )